ابن حزم
655
الاحكام
وقال ابن عباس : ما بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلا محرما ومحللا . قال ذلك لانسان سمعه يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الضب : لا أحله ولا أحرمه فقال له ابن عباس ما ذكرنا أو كلاما هذا معناه ، فانقطع واحتج بعضهم باستخلاف أبي بكر على القضاء زيد بن ثابت ، وهو مخالفه في أقضية كثيرة . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأننا لا نقلد أبا بكر ولا غيره ، وهم يخالفون أبا بكر في عدة قضايا بلا دليل ، فلا ينكروا علينا خلافه حيث قام الدليل على خلاف قوله ، وقال بعضهم : لو كان الله تعالى كلفنا إصابة الحق وإدراك الصواب لكان تعالى قد كلفنا ما لا نطيق . قال أبو محمد : وهذا تمويه ضعيف ، وكذب القائل ما ذكرنا وما كلفنا عز وجل من ذلك إلا ما نطيق ، لأنه قد أدرك الصواب كثير من الناس ووجدوه وجودا صحيحا أيقنوا فيه أنهم محقون ، وما أمكن بعضنا فهو لسائرنا ممكن وما توفيقنا إلا بالله تعالى ، وقال بعضهم : لو كان الناس مكلفين عين الصواب لكان على من خالفه الإعادة لكل ما عمل بغير الحق . قال أبو محمد : أما ما كان من الشرائع مرتبطا بوقت محدود الأول والآخر ، فلا إعادة على من تركه أصلا ، إلا حيث جاء النص بإعادته ، لأنه لا سبيل إلى رجوع وقت تلك الشريعة ، وهي لم نؤمر بها إلا في ذلك الوقت ، فلا سبيل إلى أدائها ، إذ لا سبيل إلى الوقت الذي لا تؤدى إلا فيه كالصلاة وما أشبهها ، والصيام ونحوه فلا يقضي شيئا من ذلك لا جاهل ولا عامد ولا متأول ، حاشى الناسي والنائم للصلاة ، وحاشا المريض والمسافر والمتقيئ عمدا للصوم فقط ، وأما ما كان مرتبطا بوقت محدود الأول غير محدود الآخر ، أو كان غير مرتبط بوقت فهو مؤدى أبدا ، ومعاد ، ولا بد كإنسان جهل الزكاة في البر فبقي سنين مسلما مالكا لمقدار تجب فيه الزكاة منه ، ثم علم بعد ذلك فعليه الزكاة للسنين الخالية ، وكإنسان لم يعلم أن السلم في غير المكيل والموزون لا يجوز ، فسلم سنين جمة في حيوان ، أو فيما لا يكال ولا يوزن ، ثم علم فعليه فسخ كل ما أخذ من ذلك ورده إلى أربابه ، والحكم فيه كحكم الغاصب فيما بيده إذا تاب ولا فرق ، وكإنسان أداه اجتهاده إلى أنه لا نفقة لموروثه وذي رحمه المحرمة عليه ، فأقام كذلك عشرات سنين ، ثم علم فهي دين عليه يؤديها